Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٣/ ٢٦١

جلالٍ وقهرٍ. أُمروا بقتل نفوسهم، وحُرِّمت عليهم الشُّحوم وذواتُ الظُّفر وغيرها من الطّيِّبات، وحُرِّمت عليهم الغنائم، وعُجِّلت لهم من العقوبات ما عُجِّل، وحُمِّلوا من الآصار والأغلال ما لم يُحمَّله غيرُهم. وكان موسى ﷺ من أعظم خلق الله هيبةً ووقارًا، وأشدِّهم بأسًا وغضبًا لله، وبطشًا (١) بأعداء الله، وكان لا يُستطاع النّظر إليه.

وعيسى ﷺ كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعةَ فضلٍ وإحسانٍ، وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته قتالٌ البتّةَ. والنّصارى يُحرَّم عليهم في دينِهم القتالُ، وهم به عصاةٌ لشرعه، فإنّ الإنجيل يأمرهم فيه: أنّ من لَطمَك على خدِّك الأيمن فأَدِرْ له خدَّك الأيسر، ومن نازعَك ثوبك فأعْطِه رداءك، ومن سَخَّرك ميلًا فامْشِ معه ميلين، ونحو هذا (٢). وليس في شريعتهم مشقّةٌ ولا آصارٌ ولا أغلالٌ، وإنّما النّصارى ابتدعوا تلك الرّهبانيّة من قِبلِ أنفسهم، ولم تُكتَب عليهم.

وأمّا نبيُّنا ﷺ فكان في مظهر الكمال، الجامع لتلك القوّة والعدل والشِّدّة في الله، وهذا اللِّين والرّأفة والرّحمة، وشريعته أكمل الشّرائع. فهو نبيُّ الكمال، وشريعته شريعة الكمال، وأمّته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات. ولذلك تأتي شريعتُه بالعدل إيجابًا له وفرضًا، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا، وبالشِّدّة في موضع الشِّدّة، وباللِّين في موضع اللِّين، ووَضْعِ السّيف موضعَه، ووَضْعِ النّدى موضعَه. فيذكر الظُّلم ويُحرِّمه، والعدلَ ويوجبه. والفضلَ ويندب إليه في بعض آية، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ