Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٣/ ٢٥٩

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ يقول: وكذلك لطَمَ عينَ ملك الموت ﵇ ففقأها، ولم يَعتب عليه ربُّه. وفي ليلة الإسراء عاتبَ ربّه في النّبيِّ ﷺ إذ رفع فوقه، ورفع صوته بذلك، ولم يَعتبه. قال: لأنّ موسى ﵊ قام تلك المقاماتِ العظيمةَ التي أوجبت له هذا الدَّلال، فإنّه قاومَ أكبرَ أعداء الله تعالى فرعون، وتصدّى له ولقومه، وعالج بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، وجاهد في الله أعداء الله أشدَّ الجهاد، وكان شديد الغضب لربِّه، فاحتملَ له ما لا يحتمله لغيره (١). وذو النُّون لمّا لم يكن في هذا المقام سَجَنَه في بطن الحوت من غضبه، وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا.

فصل

قال (٢): (الدّرجة الثّالثة: اجتباء الحقِّ عبدَه، واستخلاصه إيّاه بخالصته. كما ابتدأ موسى وقد خرج يقتبس نارًا، فاصطنعه لنفسه وأبقى منه رسمًا مُعارًا).

الاجتباء: الاصطفاء والإيثار والتّخصيص، وهو افتعال من جَبيتُ الشّيء: إذا حُزتَه إليك، كجباية المال وغيره.

والاصطناع أيضًا: الاصطفاء والاختيار، يعني أنّه اصطفى موسى ﵇، واستخلصه لنفسه، وجعله له خالصًا من غير سببٍ كان من موسى ولا وسيلةٍ. فإنّه خرج ليقتبس النّار، فرجع وهو كليم الواحد القهّار، وأكرمُ الخلق عليه، ابتداءً منه سبحانه، من غير سابقةِ استحقاقٍ، ولا تقدُّمِ وسيلةٍ.