مدارج السالكين - ط عطاءات العلم
قال (١):
(الدرجة الثانية:
تهذيب الحال، وهو أن لا يجنح الحال (٢) إلى علمٍ، ولا يخضع لرسمٍ، ولا يلتفت إلى حظٍّ).
أمّا جنوح الحال إلى العلم، فهو نوعان: ممدوح ومذموم.
فالممدوح: التفاته إليه، وإصغاؤه إلى ما يأمر به، وتحكيمه عليه. فمتى لم يجنح إليه (٣) هذا الجنوحَ كان حالًا مذمومًا ناقصًا مُبعدًا عن الله تعالى، فإنَّ كلَّ حالٍ لا يصحبه علمٌ يُخاف عليه أن يكون من خُدَع الشيطان. وهذا القدر هو الذي أفسد على أرباب الأحوال أحوالهم (٤)، وشرَّدهم عن الله كلَّ مشرَّدٍ، وطردهم عنه كلَّ مطردٍ، حيث لم يحكِّموا عليه العلم، وأعرضوا عنه صفحًا، حتى قادهم إلى الانسلاخ من حقائق الإيمان وشرائع الإسلام.
وهم الذين قال فيهم سيِّد الطّائفة الجنيد بن محمَّد ﵀ لمَّا قيل له: أهل المعرفة يصلون إلى ترك الحركات من باب البرِّ والتقرُّب إلى الله تعالى، فقال الجنيد ﵀: هذا كلام قومٍ تكلَّموا بإسقاط الأعمال (٥)، وهو عندي عظيمةٌ. والذي يسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، فإنَّ العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عامٍ لم أنقص