Skip to content

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد التاسعة والأربعون بعد المائة.

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

الصالحي الشامي

Printed page ١٠/ ٣٣٣

الثاني: أن أسباب الرحمة لا تنحصر في الطاعون وقد عوضهم النبي ﷺ عنه الحمى حيث اختارها عند ما عرضها عليه كما تقدم، وهي طهرة للمؤمن، وحظه من النار، والطاعون يأتي في بعض الأعوام، والحمى تتكرر في كل حين، فتعادلا، وفيه نظر، لأن تكثير أسباب الرحمة مطلوب، ولأنه لا يرفع إشكال التمدح بعدمه.

الثالث: أنه وإن اشتمل على الرحمة والشهادة، فقد ورد أن سببه أشياء تقع من الأمة كظهور بعض المعاصي، وقد روى الإمام أحمد بأسانيد حسان صحاح عن شرحبيل بن حسنة وغيره «أنه- يعني الطاعون- رحمة ربكم ودعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم» .

وروى الإمام أحمد تفسير كونه دعوة نبيكم عن أبي قلابة ﵁ بأنه ﷺ سأل ربه ﷿ أن لا يهلك أمته السنة، فأعطانيها، وسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم، فأعطانيها، وسأله أن لا يلبسهم شيئا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعه،

فقال النبي ﷺ في دعائه: «فحمى إذا أو طاعونا»

ثلاثا، فقد تضمن الطاعون نوعا من المؤاخذة، لأنه ﷺ دعا به لتحصل كفاية إذاقة بعضهم بأس بعض، ويكون هلاكهم حينئذ بسبب لا يعصون به فحفظ الله تعالى بلد نبيه ﷺ من الطاعون المشتمل على الانتقام إكراما لنبيه ﷺ وجعل لهم الحمى المضعفة للأبدان عن إذاقة بعضهم بأس بعض، والمطهرة لهم،

بقوله ﷺ: «فحمى إذا»

أي للموضع الذي لا يدخله الطاعون بل عصم منه، وهو جواره الشريف.

وقوله: «أو طاعونا»

أي للموضع الذي لم يعصم منه وهو سائر البلاد، هذا ما قال السيد نور الدين، وهذا ما ظهر لي في فهم هذه الأحاديث وهو يقتضي شرف الحمى الواقعة بالمدينة، وفضلها، لأنها دعوة نبينا ﷺ ورحمة بنا أيضاً، لأنها من لازم دعوته ولأنها جعلت في مقابلة الطاعون الذي هو رحمة لغيرهم فتكون الحمّى رحمة لهم فهي غير حمى الوباء الذاهبة من المدينة، والله تعالى أعلم.

قال الحافظ: والحق أن المراد بالطاعون في هذه الأحاديث الذي ينشأ عن طعن الجن فيهيج به الدم في البدن، فهذا لم يدخل المدينة قط.

التاسعة والأربعون بعد المائة

.

وبأنه ﷺ لما عادت الحمى إلى المدينة باختياره إياها، لم تستطع أن تأتي أحدا من أهلها حين جاءت ووقفت ببابه، واستأذنته فيمن يبعثها إليه فأرسلها إلى الأنصار.

روى الإمام أحمد برجال الصحيح وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه عن جابر ﵁ قال: استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ فقال: «من هذه؟» قالت: أم ملدم، فأمر بها إلى أهل قباء، فلقوا ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فأتوه، فشكوا ذلك إليه فقال: «ما