تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
مضارّ لها، وجب ردّه إليها، وكان الطلاق رجعيًا قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه، وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق وعند الاتفاق بطريق الأولى والأخرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة.
وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستذكار" له عن بكر بن عبد اللّه المزني، أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] ورواه ابن جرير عنه (١)، وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله، وقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس وامرأته حبيبة بنت عبد اللّه بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها واختلاف ألفاظه، قال الإمام مالك في موطئه: عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة: أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية، أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، وأن رسول اللّه ﷺ، خرج إلى الصبح، فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغلس، فقال رسول الله ﷺ: "من هذه؟ " قالت: أنا حبيبة بنت سهل. "فقال ما شأنك؟ " فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس لزوجها، فلما جاء زوجها ثابت بن قيس قال له رسول اللّه ﷺ: "هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء اللّه أن تذكر" فقالت حبيبة: يا رسول اللّه كل ما أعطاني عندي، فقال رسول اللّه ﷺ: "خذ منها" فأخذ منها وجلست في أهلها (٢). وهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بإسناده مثله (٣)، ورواه أبو داود عن القعنبي، عن مالك والنسائي، عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك (٤).
(حديث آخر) عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو عمرو السدوسي عن عبد الله (٥) بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة، أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس فضربها فكسر نفضها (٦)، فأتت رسول اللّه ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول اللّه ﷺ ثابتًا، فقال: "خذ بعض مالها وفارقها" قال: ويصلح ذلك يا رسول اللّه؟ قال: "نعم" قال: إني أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي ﷺ: "خذهما وفارقها" ففعل (٧)، وهذا لفظ ابن جرير وأبو عمرو السدوسي هو: سعيد بن سلمة بن أبي الحسام.