تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
للحديث المتقدم: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (١)، فآية الميراث حكم مستقل ووجوب من عند الله لأهل الفروض والعصبات، رفع بها حكم هذه بالكلية.
بقي الأقارب الذين لا ميراث لهم يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده". قال ابن عمر: ما مرت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي (٢).
والآيات والأحاديث بالأمر ببرّ الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدًّا.
وقال عبد بن حُميد في مسنده: أخبرنا عبيد الله، عن مُبارك بن حسان، عن نافع قال: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: يابن آدم ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك لأُطهرك به وأزكّيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك" (٣).
وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أي: مالًا، قاله ابن عباس (٤) ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبو العالية وعطية العوفي والضحاك والسدي والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وقتادة (٥) وغيرهم.
ثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قلّ المال أو كَثُر كالوراثة (٦).
ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جزيلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: قيل لعلي ﵁: إن رجلًا من قريش قد مات وترك ثلثمائة دينار أو أربعمائة ولم يوص؟ قال: ليس بشيء إنما قال الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ (٧). وقال [أيضًا] (٨): وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبده، يعني: ابن سليمان، عن هشام بن عروة عن أبيه: إن عليًا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصِ؟ فقال له علي: إنما قال الله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ إنما ترك شيئًا يسيرًا فاتركه لولدك (٩).
وقال [الحكم بن أبان] (١٠): حدثني عن عكرمة عن ابن عباس ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قال ابن عباس: