تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
مفتخرًا بملك مصر وتصرفه فيها: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ قال قتادة: قد كانت لهم جنات وأنهار ماء (١).
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك؛ يعني: موسى وأتباعه فقراء ضعفاء وهذا كقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات].
وقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ قال السدي: يقول: بل أنا خير من هذا الذي هو مهين، وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن أم ههنا بمعنى: بل، ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها "أما أنا خير من هذا الذي هو مهين" (٢).
قال ابن جرير: ولو صحَّت هذه القراءة لكان معناها صحيحًا واضحًا، ولكنها خلاف قراءة الأمصار فإنهم قرأوا ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ على الاستفهام (٣).
(قلت): وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون لعنه الله بذلك أنه خير من موسى ﵊، وقد كذب في قوله هذا كذبًا بينًا واضحًا، فعليه لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: ﴿مَهِينٌ﴾ كما قال سفيان: حقير.
وقال قتادة والسدي: يعني ضعيف (٤).
وقال ابن جرير: يعني لا ملك له ولا سلطان ولا مال (٥) ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ يعني: لا يكاد يفصح عن كلامه فهو عيي حصر.
قال السدي: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي: لا يكاد يفهم.
وقال قتادة والسدي وابن جرير: يعني عيي اللسان (٦).
وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فمه وهو صغير، وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد وهو ينظر إلى موسى ﵊ بعين كافرة شقية، وقد كان موسى ﵇ من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب.
وقوله: ﴿مَهِينٌ﴾ كذب. بل هو المهين الحقير خلقة وخلقًا ودينًا، وموسى هو الشريف الصادق البار الراشد.
وقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ افتراء أيضًا فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من