تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
قبضه الله ﷿ (١)، وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة نحوه (٢)، ثم روى ابن جرير، عن الحسن نحو ذلك أيضًا (٣).
وفي الحديث: "النجوم أمَنَة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أَمَنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون" (٤).
ثم قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾ أي: خذ القرآن المنزل على قلبك، فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق المفضي إلى صراط الله المستقيم الموصل إلى جنات النعيم والخير الدائم المقيم.
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قيل: معناه لشرف لك ولقومك، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد (٥)، واختاره ابن جرير ولم يحكِ سواه، وأورد البغوي ههنا حديث الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن معاوية ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين" (٦). رواه البخاري (٧)، ومعناه أنه شرف لهم من حيث إنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخُلَّص من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم، وقيل معناه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي: لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء] وكقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء].
﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ أي: عن هذا القرآن، وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له؟
وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ أي: جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] قال مجاهد في قراءة عبد الله بن مسعود ﵁: "واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك من رسلنا" (٨)،