Skip to content

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي سورة يس

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Printed page ٦/ ٣٥٥

وقال معمر، عن قتادة: بلغني أن عائشة ﵂ سئلت: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت ﵂: لا. إلا بيت طرفة:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا … ويأتيك بالأخبار من لم تزودِ

فجعل ﷺ يقول: "من لم تزودِ بالأخبار" فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا، فقال ﷺ: "إني لست بشاعر ولا ينبغي لي" (١).

وثبت في الصحيحين أنه ﷺ تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة ﵁، ولكن تبعًا لقول أصحابه ﵃، فإنهم كانوا يرتجزون وهم يحفرون فيقولون:

لا هُمّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا … وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأُلى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا

ويرفع ﷺ صوته بقول أبينا ويمدها (٢)، وقد روى هذا بزحاف (٣) في الصحيحين أيضًا، وكذا ثبت أنه ﷺ قال: يوم حنين وهو راكب البغلة يقدم بها في نحور العدو:

أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب (٤)

لكن قالوا: هذا وقع اتفاقًا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه، وكذلك ما ثبت في الصحيحين عن جُندب بن عبد الله ﵁، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار، فنُكبت أصبعه، فقال ﷺ:

هل أنت إلا أصبع دُميت … وفي سبيل الله ما لقيت

وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] إنشاد:

إن تغفر اللَّهم تغفر جمًا … وأي عبد لك ما ألمَّا (٥)

وكل هذا لا ينافي كونه ﷺ ما علم شعرًا وما ينبغي له، فإن الله تعالى إنما علَّمه القرآن العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضُلَّال وآراء الجهال، وقد كانت سجيته ﷺ تأبى صناعة الشعر طبعًا وشرعًا، كما رواه أبو داود قال: حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن يزيد المعافري، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي قال: سمعت عبد الله بن عمرو ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما أبالي ما أوتيت