تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بانواع اللغات.
وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ، سمع صوت أبي موسى الأشعري ﵁ يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال ﷺ: "لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود" (١).
وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج (٢) ولا بربط (٣) ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ﵁ (٤).
ومعنى قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي﴾ أي: سبحي، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد (٥).
وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة، وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها (٦).
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه (الجُمل) (٧) في باب النداء منه ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب سير النهار كله، والإسآد سير الليل كله، وهذا لفظه، وهو غريب جدًا لم أره لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية ههنا، والصواب أن المعنى في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: رجعي مسبحة معه كما تقدم، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط (٨)، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ وهي: الدروع.
قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح (٩).