Skip to content

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي سورة الأحزاب

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Printed page ٦/ ١٥٨

وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال أبو بَكرة ﵁: قال الله ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، فأنا ممن لا يعرف أبوه فأنا من إخوانكم في الدين، قال أبي: والله إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارًا لانتمى إليه (١).

وقد جاء في الحديث: "من ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه كفر" (٢). وهذا تشديد وتهديد ووعيد أكيد في التبري من النسب المعلوم، ولهذا قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: إذا نسبتم بعضهم إلى غير أبيه في الحقيقة خطأ بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإِن الله تعالى قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله ﵎ آمرًا عباده أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله ﷿: قد فعلت" (٣).

وفي صحيح البخاري عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر" (٤).

وفي حديث آخر: "إن الله ﵎ رفع عن أُمتي الخطأ والنسيان وما يكرهون عليه" (٥).

وقال ﵎ ههنا: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وإنما الإثم على من تعمد الباطل، كما قال ﷿: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥]. وفي الحديث المتقدم: " [ليس من رجل] (٦) ادَّعى إلى غير أبيه وهو يعلمه إلا كفر" (٧). وفي القرآن المنسوخ: فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم (٨).

قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر ﵃ أنه قال: إن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، وأن رسول الله ﷺ قال: "لا تطروني كما أطري عيسى ابن مريم ﵊ فإنما أنا عبد الله، فقولوا عبده ورسوله" وربما قال معمر: "كما أطرت النصارى ابن مريم" (٩).