تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل، ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحبّ البقاع إلى الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يُعبد فيها ويُوحّد فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها. كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال نهى الله سبحانه عن اللغو فيها (١)، وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وسفيان بن حسين وغيرهم من العلماء المفسرين (٢).
وقال قتادة: هي هذه المساجد أمر الله ﷾ ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها. وقد ذُكر لنا أن كعبًا كان يقول: مكتوب في التوراة ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته، وحقٌّ على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره (٣).
وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءًا على حدة، ولله الحمد والمنّة، ونحن بعون الله تعالى نذكر ها هنا طرفًا من ذلك، إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان؛ فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة"، أخرجاه في الصحيحين (٤).
وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من بنى مسجدًا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتًا في الجنة" (٥)، وللنسائي عن عمرو بن عنبسة مثله (٦)، والأحاديث في هذا كثيرة جدًا.
وعن عائشة ﵂ قالت: أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي (٧)، ولأحمد وأبي داود عن سَمُرة بن جندب نحوه (٨).