تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى أن قال ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات.
﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: أنظرتهم وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف: أنه كان بين قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى، وبين إهلاك الله له أربعون سنة.
وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود] (١).
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: كم من قرية أهلكتها؟ ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: مكذبة لرسلها ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
قال الضحاك: سقوفها (٢)؛ أي: قد خربت وتعطلت حواضرها ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: لا يستقى منها، ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.
﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال عكرمة: يعني المبيض بالجص (٣)، وروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك (٤). وقال آخرون: هو المنيف المرتفع (٥). وقال آخرون: المشيد: المنيع الحصين (٦)، وكل هذه الأقوال متقاربة ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس الله بهم كما قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨].
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بأبدانهم وبفكرهم أيضًا، وذلك كافٍ كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران ﵇ أن: يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، ثم سِح في الأرض، ثم اطلب الآثار والعبر، حتى يتخرق النعلان وتنكسر العصا (٧).
وقال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: أحيّ قلبك بالمواعظ، ونوّره بالتفكر، وموّته بالزهد، وقوّه باليقين، وذلّله بالموت، وقرره بالفناء، وبصره فجائع الدنيا، وحذره صولة الدهر