تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: أنهاكم عن الشيء وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم (١). كما قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: يقول: لم أكن أنهاكم عن أمر وأركَبه (٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: فيما آمركم وأنهاكم إنما أريد إِصلاحكم جهدي وطاقتي ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي: في إصابة الحق فيما أريده ﴿إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي: أرجع. قاله مجاهد وغيره (٣).
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قَزَعةَ سويد بن حُجَير الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه أن أخاه مالكًا: قال: يا معاوية إِن محمدًا أخذ جيراني فانطلق إِليه، فإنه قد كلمك وعرفك فانطلقت معه، فقال: دع لي جيراني فقد كانوا أسلموا، فأعرض عنه فقام مغضبًا فقال: أما والله لئن فعلت إِن الناس يزعمون أنك لتأمرنا بالأمر وتخالف إِلى غيره، وجعلت أجره وهو يتكلم فقال رسول الله ﷺ: "ما تقول؟ " فقال: إنك والله لئن فعلتَ ذلك إن الناس ليزعمون أنك لتأمر بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: "أو قد قالوها؟ - أي قائلهم - ولئن فعلت ما ذاك إِلا عليَّ وما عليهم من ذلك من شيء أرسلوا له جيرانه" (٤).
وقال أحمد أيضًا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: أخذ النبي ﷺ ناسًا من قومي في تهمة، فحبسهم فجاء رجل مِن قومي إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقال: يا محمد علامَ تحبس جيراني؟ فصمتَ رسول الله ﷺ فقال: إن ناسًا ليقولون: إِنك تنهى عن الشيء وتستخلي به، فقال النبي ﷺ: "ما تقول؟ " قال: فجعلت أعرض بينهما كلامًا مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل رسول الله ﷺ حتى فهمها فقال: "قد قالوها؟ - أو قائلها منهم - واللهِ لو فعلتُ لكانَ عليَّ وما كان عليهم خلُّوا عن جيرانه" (٥).
ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه ﷺ: إنه قال: "إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أن منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره