تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلُّون مجنبين، فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا فشرب المسلمون وتطهَّروا، وأذهب الله عنهم رجس الشيطان وثبَّت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدوابّ فساروا إلى القوم، وأمدَّ الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة (١).
وكذا قال العوفي، عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلُّون مجنبين محدثين حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي فشرب المؤمنون وملؤوا الأسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا وثبَّت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله المطر عليها فضربها حتى اشتدت وثبتت عليها الأقدام (٢).
ونحو ذلك روي عن قتادة والضحاك والسدي (٣)، وقد روي عن سعيد بن المسيب والشعبي والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه طشٌّ أصابهم يوم بدر (٤). والمعروف أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك أي أول ماء وجده، فتقدم إليه الحُباب بن المنذر فقال: يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: "بل منزل نزلته للحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل ولكن سرّ بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم، ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله ﷺ وسلم ففعل كذلك.
وفي مغازي الأموي أن الحُباب لما قال ذلك، نزل ملك من السماء وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن الرأي ما أشار به الحُباب بن المنذر، فالتفت رسول الله ﷺ إلى جبريل ﵇ فقال: "هل تعرف هذا"؟ فنظر إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم وإنه ملك وليس بشيطان.
وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي ﵀: حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهسًا فأصاب رسول الله ﷺ وأصحابه ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير وأصاب قريشًا ما لم يقدروا على أن يرحلوا معه (٥).