تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) رواه ابن جرير عنه. وقال ابن جريج عن عطاء: نُهوا عن السرف في كل شيء (٢). وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف (٣). وقال السدي في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال: لا تعطوا أموالكم فتغدوا فقراء (٤). وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم (٥).
ثم اختار ابن جرير قول عطاء، أنه نهي عن الإسراف في كل شيء ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر - والله أعلم - من سياق الآية، حيث قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا﴾ أن يكون عائدًا على الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ الآية [الأعراف: ٣١].
وفي صحيح البخاري تعليقًا: "كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة" (٦) وهذا من هذا، والله أعلم.
وقوله ﷿: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل: المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها، كما قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: ﴿حَمُولَةً﴾ ما حمل عليه من الإبل ﴿وَفَرْشًا﴾ الصغار من الإبل، رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٧).
وقال ابن عباس: الحمولة: هي الكبار والفرش: الصغار من الإبل (٨)، وكذا قال مجاهد (٩).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أما الحمولة: فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم (١٠). واختاره ابن جرير قال: وأحسبه إنما سمي فرشًا لدنوه من الأرض.
وقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيرهم: الحمولة: الإبل والبقر، والفرش الغنم (١١).