تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام، هل يجب عليه إطعام ستين مسكينًا كما في كفارة الظهار؟ على قولين:
أحدهما: نعم كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر ههنا، لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص.
والقول الثاني: لا يعدل إلى الطعام، لأنه لو كان واجبًا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قد تقدم تفسيره غير مرة.
ثم لما بيّن تعالى حكم القتل الخطأ شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥١]، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدًّا، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء" (١)، وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود من رواية [عمرو] (٢) بن الوليد بن عبدة المصري عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يزال المؤمن [معنقًا] (٣) صالحًا ما لم يصب دمًا حرمًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلَّح (٤) " (٥).
وفي حديث آخر: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" (٦)، وفي الحديث الآخر: "لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار" (٧).