تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي
تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة.
قال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأُحد فهزموهم دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة فقاموا عليها. فجعل الرسول ﷺ يدعو الناس: "إليّ عباد الله، إليَّ عباد الله" فذكر [الله] (١) صعودهم إلى الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم، فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (٢). وكذا قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد (٣).
وقال عبد الله بن الزبعري (٤): يذكر هزيمة المسلمين يوم أُحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها:
يا غراب البين أسمعت … إنما تنطبق شيئًا قد فعل
إن للخير وللشر مدى … وكلا ذلك وجه وقَبَل
إلى أن قال:
ليت أشياخي ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكّت بقباء بركها … واستحرّ القتل في عبد الأشل
ثم خفّوا عند ذاكم رُقّصا … وقصّ الحفّان يعلو في الجبل
فقتلنا الضعف من إشرافهم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل (٥)
الحفان: صغار النعم.
وقد كان النبي ﷺ قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه كما قال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب ﵁، قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أُحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم" [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم] (٦)، قال: فهزموهم قال: فأنا واللهِ رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسواقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال: أصحاب عبد الله الغنيمة، أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أفنسيتم ما قاله