Skip to content

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي سورة آل عمران

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Printed page ٢/ ٤٢١

يكون في مكان، وإن كنا لا نعلمه، وكذلك النار تكون حيث يشاء الله ﷿، وهذا أظهر كما تقدم في حديث أبي هريرة عن البزار.

(الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش وعرضها، كما قال الله: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] والنار في أسفل سافلين فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض وبين وجود النار، واللّه أعلم.

ثم ذكر تعالى صفة أهل الجنة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء والمنشط والمكره والصحة والمرض وفي جميع الأحوال، كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] والمعنى: أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى

والإنفاق في مراضيه. والإحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.

وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفى مع ذلك عمن أساء إليه. وقد ورد في بعض الآثار: "يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك" رواه ابن أبي حاتم (١). وقد قال أبو يعلى في مسنده: حَدَّثَنَا أبو موسى الزمن، حَدَّثَنَا عيسى بن شعيب الضرير أبو الفضل، حدثني الربيع بن سليمان النميري، عن أبي عمرو بن أنس بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: "من كفَّ غضبه، كفَّ الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه، ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله، قبل الله عذره" (٢). وهذا حديث غريب، وفي إسناده نظر.

وقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرحمن، حَدَّثَنَا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" (٣). وقد رواه الشيخان من حديث مالك (٤).

وقال الإمام أحمد أيضًا: حَدَّثَنَا أبو معاوية، حَدَّثَنَا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله وهو ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله: "أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله"؟ قال: قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: "اعلموا أنه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، مالك من مالك إلا ما قدمت، ومالُ وارثك ما أخرْتَ" قال: وقال رسول الله ﷺ: "ما تعدون الصرعة فيكم؟ " قلنا: الذي لا تصرعه الرجال. قال: "لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب". قال: قال رسول الله ﷺ: "ما تعدون فيكم الرقوب؟ " قلنا: الذي لا ولد له. قال: "لا، ولكن الرقوب الذي لم يقدم من ولده شيئًا" (٥)

Verses cited 3:134