بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
(القَوْلُ فِي أَنْوَاع الهِبَاتِ
وَالهِبَةُ مِنْهَا مَا هِيَ هِبَةُ عَيْنٍ، وَمِنْهَا مَا هِيَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، وَهِبَةُ العَيْنِ مِنْهَا مَا يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ، وَمِنْهَا مَا لَا يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ، وَالَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الثَّوَابُ مِنْهَا مَا يُقْصَدُ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَمِنْهَا مَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ المَخْلُوقِ. فَأَمَّا الهِبَةُ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَحْكَامِهَا، وَأَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا، فَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنَعَهَا الشَّافِعِيُّ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَسَبَبُ الخِلَافِ هَلْ هِيَ بَيْعٌ مَجْهُولُ الثَّمَنِ أَوْ لَيْسَ بَيْعًا مَجْهُولَ الثَّمَنِ؟ فَمَنْ رَآهُ بَيْعًا مَجْهُولَ الثَّمَنِ قَالَ: هُوَ مِنْ بُيُوعٍ الغَرَرِ الَّتِي لَا تَجُوزُ، وَمَنْ لَمْ يَرَ أَنَّهَا بَيْعٌ مَجْهُولٌ، قَالَ: يَجُوزُ، وَكأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ العُرْفَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ ثَوَابُ مِثْلِهَا، وَلذَلِكَ اخْتَلَفَ القَوْلُ عِنْدَهُمْ إِذَا لَمْ يَرْضَ الوَاهِبُ بِالثَّوَابِ مَا الحُكْمُ؟ فَقِيلَ: تَلْزَمُهُ الهِبَةُ إِذَا أَعْطَاهُ المَوْهُوبُ القِيمَةَ، وَقِيلَ: لَا تَلْزَمُهُ إِلَّا أَنْ يُرْضِيَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ، فَإِذَا اشْتُرِطَ فِيهِ الرِّضَا، فَلَيْسَ هُنَالِكَ بَيْعٌ انْعَقَدَ، وَالأَوَّلُ هُوَ المَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَمَّا إِذَا أُلْزِمَ القِيمَةَ، فَهُنَالِكَ بَيْعٌ انْعَقَدَ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُ مَالِكٌ الهِبَةَ عَلَى الثَّوَابِ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَخُصُوصًا إِذَا دَلَّتْ قَرِينَةُ الحَالِ عَلَى ذَلِكَ مِثْلَ أَنْ يَهَبَ الفَقِيرُ لِلْغَنِيِّ، أَوْ لِمَنْ يَرَى أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِذَلِكَ الثَّوَابَ).
وَالرَّسُولُ ﷺ وُهِبَ له (١)، وقُصِدَ بذلك الثواب، وأُهْدِيَتْ إليه هدية،