بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
أحدكم يأتي فيقول هذا لكم وهذا لي؟ هَلَّا جلس في بيت أبيه وأمه لينظر أَيُهدى إليه أم لا يهدى إليه شيء" (١).
فالرسول ﷺ بَيَّن المنهج، فهذا عبد الله بن رواحة قد تربى في مدرسة الرسول ﷺ، ونهل من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فارتوى منها وتغذى غذاءً كاملًا فاستقام أمره وصلح قلبه، فجاء عمله موافقًا لذلك، هكذا الصحابة ﵃، وكثيرًا ما ننبه إلى هذا، فإنهم ﵃ كانوا قدوة بأعمالهم قبل أن يكونوا قدوة بأقوالهم، فهم لا يضعفون أمام الدنيا، وإذا أردت أن تمتحن شخصًا فامتحنه في أمور الدنيا؛ ليتبين لك ضعفه، فمن الناس من إذا رأى الدرهم والدينار ضعفت نفسه، ومن الناس من تراه قويًّا.
وقد ذكرت قصة الإمام أحمد قبل ولم أتمها؛ فإنه ﵀ ابتلي بالضراء فصبر، وابتلي بالسراء أيضًا فشكر، وقلت: إن الشيطان قد يعجز عن أن يغزو الإنسان عن طريق المال، فهو يريد أن يدفع الإنسان إلى المال، فيعزف عنه، فيدفعه إلى المنصب فيبتعد عنه، فيسلك مسلكًا آخر ليبث فيه العُجْب بنفسه، بأنه فلان لا مثلَ له، وهذا ما حصل بالنسبة للإمام أحمد، فإن الإمام أحمد ﵀ لما خرج من السجن أكْرِم، بدأ الناس يتكلمون: الإمام أحمد فعل وفعل. وكانوا يقولون: "أبو بكر يوم الردة، وأحمد يوم الفتنة" (٢)، يعني: فتنة خَلْق القرآن، فلم يغير ذلك من