بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
العلماء قسموا الحقوق عدة أقسام:
أولًا: هناك حقٌّ خاصٌّ بالله ﷾، لا يجوز أن يشركه معه أحدٌ من الخلق، وذلك في عبادة الله ﷾؛ لأن العبادة هي لله وحده، وقد كان المشركين يقرون بأن هناك رَبًّا كما قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥]، والآيات في ذلك كثيرة فهم يعرفون توحيد الربوبية لكنهم لا يُقِرُّون بتوحيد الألوهية فهم يعبدون مع الله غيره، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، لكن عندما تشتدُّ بهم الأهوال وتَنْسَدُّ أمامهم المسالك، وتغلق أمامهم الدنيا وتحيط بهم العواصف من كل مكان، يدركون حينئذٍ بأنه ليس هناك إلا إلهٌ واحد، ألا وهو الله ﷾ كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ [العنكبوت:٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ [الأنعام: ٦٣ - ٦٤]، وكانوا يدركون تمامًا أن الله واحدٌ لا شريك له، لكنهم يتخذون تلك الأصنام وتلك الأوثان ومن يتخذونهم معبودات، يجعلونهم وسطاء بينهم وبين الله ﷾، فلم ينفعهم توحيدُ الربوبية ولذلك وقعوا في الشرك، إذن: العبادة أمرٌ خاصٌّ لله ﷾ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [لبينة: ٥]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر: ١٤ - ١٥] هذه العبادة خاصةٌ لله ﷾.
ثانيًا: هناك حقوقٌ مشتركة بين الخالق والمخلوق، بمعنى: أن للخالق حقًّا فيها وللمخلوق، ولكن في الحدود، ولنأخذ مثلًا حد القذف،