بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
هو الذي عرض له المؤلف ﵀ قبل، وهذا هو قول الأئمة، وغيرهم؛ أن العبرة بالعدد.
أما القوة: فتختلف من شخص إلى آخر؛ فقد تجد شخصًا قويًّا، ولكن ليس عنده شجاعة!، وربما تجد إنسانًا ضعيفًا في بدنه؛ لكن لديه من الشجاعة والمغامرة وقوة اليقين ما ليس عند غيره.
قوله: (وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفِرَّ الوَاحِدُ عَنْ وَاحِدٍ إِذَا كَانَ أَعْتَقَ جَوَادًا مِنْه، وَأَجْوَدَ سِلَاحًا، وَأَشَدَّ قُوَّةً).
نلفت النظر هنا لقصة أمير المؤمنين عمر ﵁، وقد ذكروها في كتب الفقه، فقد كان يومًا وهو على المنبر يخطب في الناس ويعظهم، وكان الناس يستمعون إليه، فنادى بأعلى صوته: يا سارية الجبل!، فاستغرب الذين كانوا يستمعون إلى خطبة وموعظة عمر ﵁ من قوله هذا وأنكروه، فلما نزل ﵁ من خطبته سألوه، فبيَّن لهم أن جيشًا للمسلمين بقيادة سارية، يحارب في جزيرة، فأراد عمر ﵁ أن ينحاز سارية بمَن معه من المقاتلين إلى الجبل.
ولمَّا عاد سارية بالجيش، وسأله الناس أخبرهم بأنه سمع صوت عمر ﵁، وأطاعه، وكان بذلك النصر للمسلمين على أعدائهم (١).
فهذا الموقف الذي نُقل عن عمر ﵁؛ يدلُّ على إرادة الله ﷾؛ فهو الذي بلغ صوته من المدينة إلى سارية في تلك الجزيرة النائية!، وهذا من كرامات (٢)