بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
الأمر، فقد كانوا مستضعفين بمكة، والجميع يعلم كيف كان يعاني المسلمون من الأذى، ومن العذاب الذي ينزل بهم بجميع أنواعه من المشركين، لكنهم صبروا، فما وهنوا وما ضعفوا، فبقوا على عقيدتهم، وتحملوا الأذى في سبيل اللَّه، وهاجر مَن هاجر منهم إلى الحبشة، ثم بعد ذلك هاجروا إلى المدينة، إلى هذه البلدة الطيبة، ثم بعد ذلك نصر اللَّه المؤمنين، فبدأت تقوى شوكتهم، وقد أعزَّهم اللَّه ﷾ وأخذ نفوذ الدولة الإسلامية تمتدّ يمينًا وشمالًا، وأخذ الناس يدخلون في دين اللَّه أفواجًا، فعمَّ الجزيرة العربية، ثم بعد ذلك امتدَّ شرقًا وغربًا، حتى شمل كثيرًا من أقطار الدنيا، وأصبح أيضًا نور الإسلام ينتشر في كل مكان.
ففي هذه الآية دليل على أن اللَّه ﷾ خفَّف عن عباده، وإذا كان اللَّه تعالى خفف عن عباده إذا سافروا، وضربوا في هذه الأرض، فذلك دليل على أن القصر ليس واجبًا؛ لأن التخفيف من الأربع إلى الاثنتين دليل على أن ذلك تيسير، وأن الاثنتين ليستا بواجبتين (١).
وقصة يعلى بن أمية أيضًا عندما أُشكِل عليه ما تتضمنه هذه الآية؛ لأنَّه يدرك تمامًا أن هذه الآية نزلت لسبب، وأن هذا السبب إنما هو الخوف، فهو الذي أدَّى إلى قصر الصلاة من أربع إلى اثنتين، ففهم أنه قد زال الخوف، ففهم أنه إذا زالت العلة زال الحكم فعاد إلى أصله، وهناك قاعدة معروفة: الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا (٢). ثم اتَّجه إلى