Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ١/ ٥٢٦

فتأمَّلْ قولَ النَّبيِّ ﷺ لأبي هريرة، وقد سأله: من أسعَدُ النَّاسِ بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: "أسعدُ النَّاس بشفاعتي: من قال لا إله إلّا الله" (١)، كيف جعل أعظمَ الأسباب التي تُنال بها شفاعتُه تجريدَ التَّوحيد، عكسَ ما عند المشركين أنَّ الشَّفاعةَ تُنال باتِّخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله. فقَلَب النَّبيُّ ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أنَّ سببَ الشَّفاعة تجريدُ التَّوحيد، فحينئذٍ يأذن الله للشَّافع أن يشفَع.

ومن جهل المشرك: اعتقادُه أنَّ من اتَّخذه وليًّا أو شفيعًا أنَّه يشفَع له وينفعه عند الله، كما يكون خواصُّ الملوك والولاة تنفع مَن والاهم! ولم يعلموا أنَّ الله لا يشفع عنده أحدٌ إلّا بإذنه، ولا يأذن في الشَّفاعة إلّا لمن رضي قولَه وعملَه، كما قال تعالى في الفصل الأوّل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي الفصل الثّاني: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وبقي فصلٌ ثالثٌ، وهو أنّه لا يرضى من القول والعمل إلّا التَّوحيدَ واتِّباعَ الرَّسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأوّلين والآخرين، كما قال أبو العالية: كلمتان يُسأل عنهما الأوّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ (٢).

فهذه ثلاث (٣) فصول، تقطع شجرةَ الشِّرك من قلب من وعاها وعقلها: