Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٣/ ٥٠٧

المقدور إليه، سأله أو لم يسأله. ولكن يكون سؤاله على وجه التّذلُّل، وإظهارِ فقْرِ العبوديّة وذلِّها بين يدي عزِّ الرُّبوبيّة، فإنّ الرّبّ تعالى يحبُّ من عبده أن يسأله ويرغب إليه، لا لأنّ وصول برِّه وإحسانه إليه موقوفٌ على سؤاله، بل هو المتفضِّلُ به ابتداءً بلا سببٍ من العبد، ولا توسُّطِ سؤاله وطلبِه. بل قدَّر له ذلك الفضل بلا سببٍ من العبد، ثمّ أمرَه بسؤاله والطّلب منه، إظهارًا لمرتبة العبوديّة والفقر والحاجة، واعترافًا بعزِّ الرُّبوبيّة وكمالِ غنى الرّبِّ وتفرُّدِه بالفضل والإحسان، وأنّ العبد لا غِنى له عن فضله طرفةَ عينٍ، فيأتي بالطّلب والسُّؤال إتيانَ من يعلم أنّه لا يستحقُّ بطلبه وسؤاله شيئًا.

ولكنّ ربّه تعالى يحبُّ أن يُسأل، ويُرغب إليه، ويُطلب منه. كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وقال: ﴿(١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]، وقال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]. وقال: ﴿رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٥]. وقال: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ﴾ [الأعراف: ٥٦].

وقال النّبيُّ ﷺ: «ليسألْ أحدُكم ربَّه كلَّ شيءٍ، حتّى شِسْعَ نعلِه إذا انقطع، فإنّه إن لم يُيسِّره لم يتيسَّر» (١).