Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم الوجود أعلى ذروة مقام الإحسان

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٣/ ٤٥٨

والبغض فيه، كما جعله النّبيُّ ﷺ ثمرةَ كونِ الله ورسوله أحبَّ إلى العبد ممّا سواهما، وثمرةَ الحبِّ فيه وكراهةِ عوده في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النّار. فهذا الوجد ثمرة هذه الأعمال القلبيّة، التي هي الحبُّ والبغض لله وفي الله.

المرتبة الرّابعة: الوجود، وهي أعلى ذروة مقام الإحسان، فمن مقام الإحسان يرقى إليه. فإنّه إذا غلبَ على قلبه مشاهدةُ معبوده حتّى كأنّه يراه، وتمكَّن في ذلك= صار له ملكةً أخْمَدتْ (١) أحكامَ نفسه، وتَبدَّل بها أحكامًا أُخَر وطبيعةً ثانيةً، حتّى كأنّه أُنشِئ نشأةً أخرى غير نشأته الأولى، ووُلِد وِلادًا جديدًا.

وممّا يُذكر عن المسيح ﵇ أنّه قال: يا بني إسرائيل، لن تَلِجُوا ملكوتَ السّماء حتّى تُولَدوا مرّتين (٢).

سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يذكر ذلك، ويُفسِّره (٣) بأنّ الولادة نوعان، أحدهما: هذه المعروفة، والثّانية: ولادة القلب والرُّوح وخروجهما من مَشِيْمة النّفس وظُلمة الطّبع.

قال: وهذه الولادة لمّا كانت بسبب الرّسول ﷺ كان كالأب للمؤمنين، وقد قرأ أبيُّ بن كعبٍ ﵁: (النّبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أبٌ لهم) (٤).