Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٣/ ٤٤

الذي لا يَسمح به لغيره، بل يأخذه بين يديه زادًا لمعاده. ومَن لا يحبُّه ولا له قدرٌ عنده يرى أن يُضيعَه ويَدَعَه للوارث أو الجائحةِ والتَّلفِ، ولا يستصحبه أمامَه. فهذا هو الزاهد في المال، والأول هو الراغب فيه المحبُّ له. وكان عبد الله بن عمر ﵄ إذا أعجبه شيءٌ من ماله قدَّمَه بين يديه (١).

وهذه قاعدة مطّردة في جميع الصفات والأخلاق، فالرسل صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بصرفها عن مجاريها المذمومة إلى مجارٍ (٢) محمودة، وجاؤوا بصرف قوة الشهوة إلى النكاح والتسرِّيْ، حتى كان لسليمان ﵇ مائة امرأة، ولداود ﵇ تسع وتسعون، وجمع رسول الله ﷺ بين تسع، وأباح للأمة أربعًا مما طاب لهم من النساء ومن السراري بلا حصرٍ، صرفًا لقوة (٣) هذه الشهوة عن مجرى الحرام إلى مجرى الحلال الذي يحبُّه الله، وهو أحبُّ إليه من نفْلِ العبادة عند أكثر الفقهاء.

وكذلك جاؤوا بصرف القوة الغضبية إلى جهاد أعداء الله والغِلظة عليهم والانتقام منهم.

وكذلك جاؤوا بصرف قوة اللهو والركوب ونحوه إلى اللهو بالرمي (٤) والمسابقةِ على الخيل وركوبِها في سبيل الله، واللهو في العُرس.

وكذلك شهوة استماع الأصوات المطربة اللذيذة لا تُذمُّ بل تُحمد. وقد