بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
والجرَّات التي كانت تمتلئ بالخمور (١)، فلم ينظروا إلى أثمانها ولا إلى قيمها ولا ما دفعوا ولا ما خسروا فيها، بل ألقوها تسيل في الأسواق؛ لأنهم رأوا في ذلك طمأنينة لأنفسهم وسعادة قلوبهم، وهو أنهم نزلوا عند أمر الله ﷾ وابتعدوا عن نهيه، وقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لعن الله الخمر ولعن شاربها ولعن ساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه" (٢)، وفي رواية أخرى: "وآكلَ ثمنها" (٣)، إذن، هذه أمور عشرة تتعلق بالخمر لعنها الله ﷾؛ لأنها رجس، ولعن شاربها؛ لأنه ارتكب حدًّا من حدود الله ﷾؛ لأنه مجاهر لله ﷾، ولعن ساقيها الذي يمد الناس فيسقيهم، ولعن بائعها الذي يبيعها للناس فيتسبب في شرب هذه الخمر، ولعن مبتاعها الذي يشتريها فيشربها، ولعن الذي يحملها فيوصلها إلى غيره ليشرب تلك الخمر، ولعن المحمولة إليه، ولعن عاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها. إذن، ننتهي إلى أن الخمر محرمة في كتاب الله ﷿، وتحريمها تحريم واضح الدلالة.
(﴿ … إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾) [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وأما السُّنة، فالأحاديث كثيرة جدًّا، بلغت في مجموعها -كما قال العلماء- حدَّ التواتر، ومنها قوله ﷺ: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " (٤)، وقال ﷺ: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" (٥)، وقال: "ما أسكر