بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
لا شكَّ بعد تدقيق النظر فيما يتعلق بالمكاتب في هذه المسألة أن القصد من ذلك هو الرفق بأحوالهم ومساعدتهم وإعانتهم، وجعل الله ﷾ لهذا المكاتب الذي يريد الوفاء حقًا، وفرق بين المكاتب الذي يريد الوفاء، وبين المكاتب المماطل المتكاسل، فمن يريد الوفاء وفَّى الله ﷾ عنه ويسر له أمره، أما من لا يريد الوفاء فإن الأمور تنعكس عليه.
قوله: (وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ حَمَالَةَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمَالَةِ الْأَجْنَبِيَّينَ).
يرى الشافعية والحنابلة أنه لا فرق بين هذه الصورة وبين حمَالَة الأجنبيين، أما المالكية فاستدلُّوا بقول الله تعالى بين الزوجين: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهنا أيضًا لا ينبغي أن يُنسَى الفضل بينهم فكم من السنين والمدة الطويلة التي أمضاها هذا الخادم في طاعة سيده وخدمه، فهذه أمور كثيرة ينبغي أن يكافَأ عليها؛ ولا شكَّ أن نظرة المالكية في هذا المقام نظرة حصيفة لا تبتعد عن روح هذه الشريعة ومنهجها.
قوله: (فَمَنْ رَأَى أَنَّ حَمَالَةَ الْأَجْنَبِيَّينَ فِي الْكِتَابَةِ لَا تَجُوزُ قَالَ: لَا تَجُوزُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ (١)، وَإِنَّمَا مَنَعُوا حَمَالَةَ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا عَجَزَ الْمُكَاتِبُ لَمْ يَكُنْ لِلْحَمِيلِ شَيْءٌ يَرْجِعُ عَلَيْهِ، وَهَذَا كأَنَّهُ لَيْسَ يَظْهَرُ فِي حَمَالَةِ الْعَبِيدِ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا الَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ هُوَ سَبَب لِأَنْ يُعْجِزَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى السَّعْيِ بِعَجْزِ مَنْ لَا يَقْدِرُ