بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
مَن أراد أن يضع ماله عند أحد لا بد أن يختار ثقةً يحفظ له ماله، وهذا قليل في هذا الزمان كما سيأتي أنه في آخر الزمان يُسأل عن رجل أمين، فيقال: في قبيلة فلان، أو في بني فلان، فيُقال: ما أعقله! ما أظرفه (١)! إلى آخره، فيُستغرب أن يوجد رجل يحفظ الأمانة في ذلك الزمان، والحمد للّه لا يزال في زماننا هذا كثير من الناس ممن يحفظون الأمانة، ويحافظون عليها، وكثير من الناس في هذا الزمان -بحمد الله- فيهم الخير.
إذن، يُختار لحفظ الأمانة إنسان صالح أمين يشتهر بين الناس بتلك الصفات، ولذلك نجد أن رسول الله ﷺ كانت تُوضع عنده الأمانات لمَّا كان بمكة، ولمَّا أراد الهجرة إلى المدينة -كما أخرج ذلك البيهقي في "السنن الكبرى" وغيره- ترك تلك الأمانات التي كانت عنده عند أمِّ أيمن حاضنة رسول الله ﷺ، وأمر عليَّ بن أبي طالبٍ أن يردها إلى أصحابها (٢).
فما أحسن خُلُقه ﵊! قد أُخْرجَ من بلده، واعتُدِيَ عليه، وأُخذَتْ أمواله، وغير ذلك من أنواع الأذى، ومع ذلك وضع الأمانات التي كانت عنده عند أم أيمن، وأمر عليًّا أن يردها إلى أصحابها وهم كفار.