من أن الإمام الشافعي ﵀ لا يرى الاستحسان، فهذا قول غير صحيح؛ لأن الاستحسان الذي رفضه الإمام الشافعي، بل رفضه الأئمة جميعًا، هو الاستحسان الذي يبنى على الهوى، فليس الاستحسان أن تأخذ بما يتفق مع هواك ورغباتك، فليس للإنسان في أمور الشريعة أن يستحسن ما يرى أنه موافق لرغباته ومشاربه وهواه، وإنما الاستحسان الجائز هو الذي يبنى على أصل من أصول الشريعة، ولذلك فمن يقرأ كتاب "الأم" للإمام الشافعي يجد أنه نفسه بقلمه ينص على الاستحسان، يقول: أستحسن في أجرة الصانع كذا، في أجرة الخياط كذا، فالشافعي نفسه يستحسن.
وأما ما نسب إلى الشافعي: "من استحسن فقد ابتاع" (١)، فالمقصود به الاستحسان في شريعة الله، فالذين يجتهدون في أمور العقيدة أو في الأحكام الجلية دون أن يكون عندهم دليل ولا حجة وبرهان، فيجتهدون في مسائل ليست موضع اجتهاد وليسوا من أهل الاجتهاد، هؤلاء هم الذين يقعون في الاستحسان الذي لا يجوز، أما الاستحسان الذي لا يختلف مع أصول الشريعة، إذا بني على أصل صحيح، ورد إلى مقاصد الكتاب والسنة وإلى أصولهما، فهو حجة معمول بها (٢).