بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
قوله: (وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ: وَدِدْنَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تبَايَعَا حَتَّى نَعْلَمَ أَيُّهُمَا أَعْظَمُ جَدًّا فِي التِّجَارَةِ، فَاشْتَرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَرَسًا بِأَرْضٍ لَهُ أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، أَوْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ، وَفِيهِ بَيْعُ الْغَائِبِ مُطْلَقًا).
وذلك لِما عُرف عنهما من الخبرة، والدراية فيما يتعلق بأمور التجارة، فعثمان بن عفان ﵁ معروف شأنه في الإسلام، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وأحد المبشرين بالجنة، وكذلك عبد الرحمن بن عوف ﵁ هو أحد المبشرين بالجنة.
وهذا ليس حديثًا مرفوعًا إلى الرسول ﷺ، وإنما هي أمنية تمناها بعض الصحابة ﵃ أن يحصل تبايع بين الصحابيين الجليلين، ليُرى أيهما أكثر خبرة، أو أقدر في أمور التجارة، وكلاهما له باع معروف في هذا الأمر.
وهذا الأثر أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، وقد اعترض عليه الشافعية، وهم كما ذكرنا لا يجيزون بيع الغائب مطلقًا في الرأي المشهور عندهم، ويستدلون بأنَّ رسول الله ﷺ نهى عن بيع الغرر، ويعتبرون ذلك من الغرر، لما فيه من الجهالة، فهو داخل في النَّصِّ، وأمَّا بقية العلماء خالفوا، فأبو حنيفة يجيز الغائب مطلقًا بشرط أن يُرى بعد ذلك، ومالك وأحمد يُجيزانه بالوصف.
• قوله: (وَلَا بُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ اشْتِرَاطِ الْجِنْسِ (١). وَيَدْخُلُ