بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
قوله: (وَالأَصْلُ فِي الظِّهَارِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّة، فَأَمَّا الكِتَابُ: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] الآيَة).
أما حُكْمُ الظِّهار فإن تحريمه قد جاء بصريح نَصِّ القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]، فكونه ﷾ سَمَّى هذا العَمَلَ منكَرًا وزورًا إنما هو دليلٌ على تحريمه في الشرع، ولذلك فإن الظِّهارَ إنما يقع ممن يصحّ طلاقه، والذي يصحّ طلاقه إنما هو المكلَّف البالغ العاقل - على الخلاف المعروف في الصغير والسكران -.
ولذا فإنه لا ينبغي للمسلم أن يقع في هذا الصنيع.
وقد أَنكَرَ الله ﷾ ذلك الصَّنِيعَ وذَمَّهُ كما في قوله ﷾ في سورة الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤].
فهذه الآية والآية التي أوردها المؤلِّف هما أصل الظهار من الكتاب الكريم.
قوله: (وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ خَوْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَتْ: "ظَاهَرَ مِنِّي زَوْجِي أُوَيْسُ بْنُ الصَّامِتِ، فَجِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَشْكُو إِلَيْهِ، وَرَسُولُ اللهِ يُجَادِلُنِي فِيهِ، وَيَقُولُ: "اتَّقِي اللهَ، فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ" … ).
وأمَّا أصله مِن السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ فحديث خولة - الذي ذَكَرْنَاهُ - والتي كانت قد تَأَلَّمَتْ من ظِهار زوجِها إلى الحَدِّ الذي جَعَلَها تَتَنَقَّلُ من جانبٍ إلى جانبٍ، بحيثُ تأتي إلى رسول الله ﷺ من هاهنا فيجيبها بما لديه، فتأتيه من هاهنا، واستمَرَّت هكذا إلى أن نَزَلَ الوحيُ على رسول الله ﷺ، فعرفَت ذلك عائشةُ في وَجْهِ رسول الله ﷺ فَأَمَرَتْهَا أن تَتَنَحَّى حتى نَزَلَت آيات سورة المجادلة.