بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
فبعض الناس نسمعه يقول: اللَّه ﷾ رؤوف رحيم، ويستقر هذا في قلبه؟
فنقول له: لكن لا يعني هذا أنك لا تخاف منه! بل لا تنسى أنه ﷿ شديد العقاب أيضًا.
وقد جمع اللَّه ﷾ بين الأمرين في قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ٣].
فمردُّ الأُمور ومصيرها إلى اللَّه ﷾؛ فينبغي أن يكون سير المسلم، في خطين متوازيين بين الخوف وبين الرجاء، فلا يغلب الخوف فيضعف جانب الرجاء، ولا الرجاءَ فيتساهل في الخوف فيقع في الذنوب!
فعلى المسلم دائمًا أن يُحسن، ولا ييأس من رحمة اللَّه ﷾ فقد قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر: ٥٦].
قال المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَأَمَّا الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهَا، فَهُوَ رَمْيُ الجِمَارِ).
إذا ما انتهى الإنسان مما سبق فعليه أن يصل بعد ذلك إلى منى، وقد سميت منى بذلك لكثرة ما يمنى فيها من الدماء؛ أي: يسفك فيها من الدماء (١).
لكن هذه الدماء التي تسفك وتُسال هنا إنما هي طاعة للَّه ﷾، وقربة إليه، وهي من أحب الأعمال إلى اللَّه ﷿؛ كما جاء في الحديث: "ما من عمل أحب إلى اللَّه ﷾: من أن يسفك المسلم فيه دمًا من الدماء المباحة" (٢).