بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
وكرهه مالك وقال: ما رأيت أحدًا من أهل الفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه.
ولنا ما روى أبو أيوب ﵁، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من صام رمضانَ، وأتبعه ستًّا من شوال، فكأنما صام الدهر".
فإن قيل: فلا دليل في هذا الحديث على فضيلتها؛ لأن النبي ﷺ شبَّه صيامها بصيام الدهر، وهو مكروه. قلنا: إنما كره صوم الدهر؛ لما فيه من الضعف والتشبيه بالتَّبَتُّل، لولا ذلك لكان ذلك فضلًا عظيمًا؛ لاستغراقه الزمانَ بالعبادة والطاعة، والمراد بالخبر التشبيه به في حصول العبادة به، على وجه عري عن المشقة، كما قال ﷺ: "من صام ثلاثةَ أيام من كل شهر، كان كمن صام الدهر". ذكر ذلك حثًّا على صيامها، وبيان فضلها، ولا خلاف في استحبابها.
* قوله: (وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ (١) تَحَرِّيَ صِيَامِ الْغُرَرِ مَعَ مَا جَاءَ فِيهَا مِنَ الأَثَرِ مَخَافَةَ أَنْ يَظُنَّ الْجُهَّالُ بِهَا أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، وَأَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ لَمَّا أَكْثَرَ الصِّيَامَ: "أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؟ " قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "خَمْسًا" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "تِسْعًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "أَحَدَ