Skip to content

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد الفصل الأول: في القصر

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Printed page ٤/ ٢٠٥٦

وفي حديث عبد اللَّه بن عباس ﵄ قد بيَّن أن الرسول ﷺ سافر إلى مكة، ولم يخرج خائفًا وكان يصلي ركعتين (١)، وفي الحديث الآخر أنه خرج آمنًا (٢)، وخير دليل على ذلك قصة يعلى بن أمية لما جاء إلى عمر ﵁، فقال: أليس اللَّه سبحانه تعالى يقول: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقد أذن الناس، فقال عمر ﵁ ردًّا عليه: عجبت مما عجبت منه، يعني: هذا الذي وقع في ذهن يعلى وقع أيضًا قبل ذلك في ذهن عمر ﵁، لكنه سارع إلى رسول اللَّه ﷺ؛ ليسأله، فيعرف الحكم فأجاب الرسول ﷺ بقوله: "صدقة تصدَّق اللَّه بها عليكم، فاقبلوا الصدقة" (٣). فالناس إذا تصدقوا لا ينبغي أن يرجعوا، وقد جاء في الحديث: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه" (٤).

واللَّه ﷾ إذا أعطى عطاءً فهو يعطي ﷾ ولا تفنى خزائنه، ولا تقل خزائنه، فإذا أعطى فهذا العطاء صدقة وفضل، وقد جاء في الحديث الآخر: "أن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى عزائمه" (٥)، كما أن اللَّه تعالى يحبّ من المؤمن أيضًا أن يأخذ بالأمور التي تصدق عليه بها، والأمور التي أحسن إليه بها، وكذلك الرخص التي رخَّص اللَّه بها، ومنها ما جاء في السفر، فلا يريد من المؤمن أن يخرج عن طاعة اللَّه، ولا يريد من المؤمن أن يتجاوز حدود اللَّه، ولا يريد منه أيضًا أن يتعدَّى حدود اللَّه؛ لأن مَن تعدَّى حدود اللَّه ﷾، فقد ظلم نفسه، ونهاه أن يعتدي، قال ﷺ: "إن اللَّه فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم، فلا تسألوا عنها" (٦).