بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
كما اختلفوا في حال غياب الكعبة عن الأبصار: هل المصلي مطالب بأن يصيب عين الكعبة أو جهتها فقط؟
ثم هل الواجب في حقِّه هو الاجتهاد فقط في التوجه إلى عين الكعبة أو جهتها؟ أم يجب عليه أن يصيب عينها أو جهتها؟
وليس المقصود بالمجتهد هنا مَن حاز آلة الاجتهاد الفقهي، بل المقصود مَن له علم بالأدلة التي تعرف بها القبلة كحركة الشمس والقمر وهبوب الرياح وجهة القطب الشمالي وغير ذلك، فإذا وُجِد من هذا وصفه وجب عليه أن يجتهد في معرفة القبلة، وأما غيره فالواجب عليه تقليد المجتهد، لكن إن وُجِد اثنان أحدهما أوثق من الآخر في دينه ورأيه وإدراكه فالواجب متابعة الأوثق؛ لأنه الأحوط.
قوله: (فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الفَرْضَ هُوَ العَيْنُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ الجِهَةُ).
المقصود بالقوم: الشافعية (١)، فالرواية الصحيحة عندهم أن الفرض هو التوجه إلى عين الكعبة، أما مذهب الأئمة (أبي حنيفة ومالك وأحمد)، أن الفرض هو الجهة وليست العين (٢)، وهي كذلك رواية مشهورة عن الإمام الشافعي.