بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
* قوله: (وَهُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ - كَمَا قُلْنَا - وَقَوْلُ المُغِيرَةِ هُوَ أَجْرَى عَلَى الأُصُولِ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ لَا يَقْضِي إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَإِنْ كَانَتْ غَلَبَةُ الظَّنِّ الوَاقِعَةُ بِهِ أَقْوَى مِنَ الظَّنِّ الوَاقِعِ بِصِدْقِ الشَّاهِدِينَ).
لأن هذه الشريعة قامت أصلًا على مصدرين لا ينضبان، لا ينتهيان؛ كتاب الله ﷿، هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله تعالى تبيانًا لكل شيء، والذي جعله الله ﷾ قطب هذه الشريعة الذي تدور عليه، والذي نزله على محمد ﷺ؛ ليحكم بين الناس فيما جاء به هذا الكتاب.
هذا الكتاب العظيم الذي جعله الله ﷾ كتاب هداية وكتاب توجيه وإرشاد، هذا الكتاب الذي أخذ بأيدي العرب رعاة الشاة والغنم، فأصبحوا سادة العالم وقادتهم، هذا القرآن العظيم الذي حول حالهم من الذل إلى العزة، ومن الوضاعة إلى الرفعة والمجد، فكانوا بعد ذلك سادة العالم وقادتهم.
هذا الكتاب الذي تركه فينا رسول الله ﷺ مع سنته، وقال: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا".
هذا الكتاب العظيم الذي ما تمسك المسلمون به في عصر من العصور، ولا في دهر من الدهور، ولا في عهد من العهود، إلا كانت لهم العزة، وكانت لهم المكانة، وكان لهم الظفر، وصاروا حيث لا تفل قناتهم، ولا يهزم جمعهم.
ولكن كلما تخلى المسلمون عن هذا الكتاب، أو تباعدوا عنه، أو ضعف تعلقهم بأهدابه، ضعفت أيضًا قيمتهم، وهانوا في أعين الناس، وتساهلوا في أمرهم، وكانت لهم الذلة والمهانة.
إذًا عزة المؤمنين إنما هي بالكتاب العزيز؛ فقد أعز الله المؤمنين الأولين حين بُعِث محمد بن عبد الله ﷺ وحيدًا في أمة مشركة تخضع وتذل وتستكين وتسجد للأشجار والأوثان والحجارة، ثم أخذوا يستلون تلك