Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم تبديل السيئات حسنات

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ١/ ٤٧١

الوجه الثامن (١): أنَّ ذنبَ العارف بالله تعالى وأمره قد يترتَّب عليه حسناتٌ أكبرُ منه وأكثَرُ، وأعظَمُ نفعًا، وأحبُّ إلى الله من عصمته من ذلك الذَّنب، من ذلٍّ وانكسارٍ وخشيةٍ، وإنابةٍ وندَمٍ، وتدارُكٍ بمراغمة العدوِّ بحسنةٍ أو حسناتٍ أعظمَ منه حتَّى يقولَ الشَّيطانُ: يا ليتني لم أُوقِعْه فيما أوقعتُه فيه، ويندمَ الشَّيطانُ على إيقاعه في الذّنب (٢) كندامة فاعله على ارتكابه، لكن شتَّان ما بين النَّدَمين! والله تعالى يحبُّ من عبده مراغمةَ عدوِّه وغيظَه، كما تقدَّم أنَّ هذا من العبوديَّة. فيحصل من العبد بالتَّوبة والتَّدارُكِ وحصولِ محبوب الله تعالى من التّوبة وما يتبعها من زيادة الأعمال= ما يُوجِب جعلَ مكان السّيِّئة حسنةً بل حسناتٍ.

وتأمّل قوله تعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]. ولم يقل: مكانَ كلِّ واحدةٍ واحدةً (٣)، فهذا يجوز أن يبدِّل السّيِّئةَ الواحدةَ بعدَّة حسناتٍ بحسب حال المبدَّل.

وأمَّا في الحديث، فإنَّ الذي عذِّب على ذنوبه لم يبدِّلها في الدُّنيا بحسناتٍ من التَّوبة النَّصوح وتوابعها، فلم يكن له ما يجعل مكانَ السّيِّئة حسناتٍ، فأُعطِيَ مكانَ كلِّ سيِّئةٍ حسنةً واحدةً. وسكت النَّبيُّ ﷺ عن كبار ذنوبه، ولمَّا انتهى إليها ضحِكَ، ولم يُبيِّن ما يُفعَل بها، وأخبر أنّ الله يبدِّل مكان كلِّ صغيرةٍ حسنةً. ولكن في الحديث إشارةٌ لطيفةٌ إلى أنَّ هذا التَّبديلَ يعُمُّ كبارها وصغارها من وجهين: