Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ١/ ٢٦٦

وجوبِ العبوديّة والتزامِ الطّاعة واجتنابِ المعصية، وبين ما لَكَ. والّذي لك هو المباح الشّرعيُّ. فعليك حقٌّ، ولك حقٌّ (١). ولابدَّ من التّمييزِ بين ما لك وما عليك، وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.

وكثيرٌ من النّاس يجعل كثيرًا ممَّا عليه من الحقِّ من قِسْم ما لَه، فيتخيَّر (٢) بين فعله وتركه، وإن فعَلَه رأى أنّه فضلٌ قام به، لا حقٌّ أدَّاه!

وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرًا ممّا له فعلُه وتركُه، من قِسْمِ ما عليه فعلُه أو تركُه، فيتعبَّد بتركِ ما له فعلُه كترك كثيرٍ من المباحات، ويظنُّ ذلك حقًّا عليه؛ أو يتعبَّد بفعلِ ما له تركُه، ويظنُّ ذلك حقًّا عليه!

مثال الأوّل: من يتعبَّد بترك النِّكاح وتركِ أكل اللّحم والفاكهة مثلًا، أو الطّيِّباتِ من المطاعم والملابس، ويرى لِجهله (٣) أنَّ ذلك ممَّا عليه، فيوجب على نفسه تركَه، أو يرى تركَه من أفضل القُرَب وأجلِّ الطّاعات. وقد أنكر النّبيُّ ﷺ على من زعم ذلك. ففي "الصّحيح" (٤) أنّ نفرًا من أصحاب النّبيِّ ﷺ سألوا عن عبادته في السِّرِّ، فكأنّهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أمّا أنا فلا آكل اللّحم، وقال الآخر: أمّا أنا فلا أتزوّج النِّساء، وقال الآخر: أمّا أنا فلا أنام على فراشٍ. فبلغ النّبيَّ ﷺ مقالتُهم، فخطَب، وقال: "ما بالُ أقوامٍ يقول أحدهم: أمّا أنا فلا آكل اللّحم، ويقول الآخر: أمّا أنا فلا أتزوّج النساء، ويقول