Skip to content

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم فصل: تعريف الصبر وأنواعه

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Printed page ٢/ ٤٥٢

اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلةٌ غير الصبر. وأمَّا صبره عن المعصية، فصبرُ اختيارٍ ورضًا ومحاربةٍ للنفس، ولا سيَّما مع الأسباب التي يقوى معها داعي المواقعة (١)، فإنَّه كان شابًّا وداعية الشباب إليها قويَّةٌ، وعزبًا ليس له ما يعوِّضه ويبرِّد شهوته، وغريبًا والغريبُ لا يستحيي في بلد غربته ممَّا يستحيي منه بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا والمملوكُ أيضًا ليس وازعه كوازع الحرِّ؛ والمرأةُ جميلة وذات منصبٍ وهي سيِّدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشدَّ الحرص، ومع ذلك توعَّدته إن لم يفعل بالسِّجن والصَّغار؛ ومع هذه الدواعي كلِّها صبر اختيارًا وإيثارًا لما عند الله. وأين هذا من صبره في الجبِّ على ما ليس من كسبه؟! (٢)

وكان يقول: الصبر على أداء الطاعات أكملُ من الصبر عن (٣) اجتناب المحرَّمات وأفضل، فإنَّ مصلحة فعل الطاعة أحبُّ إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية، ومفسدةَ عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية. وله في ذلك مصنَّفٌ قرَّره فيه بنحوٍ من عشرين وجهًا (٤)، ليس هذا