بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
هكذا تعليله، ولا شكَّ أنك عندما تجري نظرة شاملة على المذاهب، ستجد أنَّ كل واحد ربما يقول بأنَّ مذهبه هو أولى المذاهب، وهذا في حقيقة القول على إطلاقه، والقول إنَّ مذهب فلان هو أولى المذاهب جملة غير مسلم لهم، وقد يكون أولاها في مسائل، ولا يكون أولاها في مسائل أخرى، بل يكون المذهب الآخر أولى منه.
ونجد أنَّ بعض العلماء يتمسك بالآثار الكثيرة، لكن ليس معنى ذلك أنَّ هذا المذهب هو المذهب الصحيح، وغيره غير صحيح، أو أنَّ الحقَّ دائمًا معه.
ونحن نقول بأنَّ الأئمة، ومن قبلهم التابعون ﵏، والصحابة ﵃ مجتهدون، وأنَّ الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا أخطأ فله أجر واحد، وقد نبه إلى ذلك رسول الله ﷺ فقال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد" (١). ولما أرسل معاذًا ﵁ إلى اليمن قال: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد"، قال: فبسنة رسوله، قال: "فإن لم تجد" قال: أجتهد رأييِ (٢).
فالفقيه أول ما ينظر في كتاب الله، ثم في سنة رسول الله ﷺ، ثم بعد ذلك يجتهد، فيرد المسائل بعضها إلى بعض، لذلك لمَّا جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تطلب توريثها، قال: لا أجدُ لكِ في كتاب الله ﷾ من شيء، ونظر في سنة الرسول ﷺ فلم يجد، حتى جاءه المغيرة ﵁ فذكر له أنَّ الرسول ﷺ قد ورثها الثلث (٣)، وليس معنى ذلك