Skip to content

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد الباب الخامس في التخيير والتمليك

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Printed page ١١/ ٦٢٧٣

الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]، فدعا رسول الله ﷺ عائشة ﵂ وقال: "إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، ولا عليكِ ألا تَعْجَلِي حتى تستأمري أبويكِ"، ثم تلا عليها هذه الآية، فما كان منها إلا أن قالت: "إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة".

ثم بعد ذلك مَرَّ رسول الله ﷺ ببقية زوجاته فَقُلْنَ مثل ما قالت عائشة ﵂.

وقد جاء في بعض الروايات خارج "الصحيحين" أن أبا بكر وعمر ﵄ أتَيَا فلم يؤذن لهما، ثم لما أُذِنَ لهما بالدخول رأى عُمَرُ رسولَ الله ﷺ صامتًا وكأنه متأثِّر، فقال لأبي بكرٍ: "سأقول مقولةً تُضحِكُ رسولَ الله ﷺ"، فقال: "طَلَبَتْ مني بنتُ زبدٍ - يعني: امرأته - النفقةَ، فَضَرَبْتُها على رقبتها"، فضحِكَ رسولُ الله ﷺ حتى بَدَتْ نواجِذُه، فقال: "وَهُنَّ يَطْلُبْنَ النفقةَ"، فقام أبو بكرٍ ﵁ ليضرب عائشةَ، وقام عُمَرُ ليضرب حفصةَ، فنهاهما رسولُ الله ﷺ ثم خَيَّرَهُمَا، فتَمَّ الأمرُ حينئذٍ.

وحاشا زوجات رسول الله ﷺ أن يَخْتَرْنَ الدنيا وزِينَتَها، ولذلك عندما بدأ رسولُ الله ﷺ بعائشة وخَيَّرَهَا، فإنها حينئذٍ لم تستشر أبويها، ولكنها قَضَتْ باختيارها لرسول الله ﷺ والدار الآخرة لا الدنيا وزخرفها، ولذلك قالت في بعض الروايات: "وهو يعلم أن أبَوَيَّ لا يَرضَيَان بفراق رسول الله"، وهكذا كان سائر أزواجه ﷺ، فكانت النتيجة أن نِلْنَ السعادةَ في الدنيا والأجرَ العظيمَ في الآخرة.

وهكذا ينبغي للمسلم ألا يجعل الدنيا غايته أو يَركَنَ إليها، بل كلما تَرَكَ المسلمُ شيئًا لله عَوَّضَه اللهُ خيرًا منه لا مَحالَةَ، فإنما الدنيا لا قيمة لها؛ لأنها لو كانت تساوي عند الله ﷾ جناحَ بعوضةٍ ما سَقَى كافرًا منها شَربَةَ ماءٍ (١)، ولذلك كان الرسول ﷺ يقول: "ابغوني في فقرائكم" (٢).