Skip to content

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد الفصل الثالث في مانع الرضاع

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Printed page ١٠/ ٥٨٨٦

أولًا: لنعلم أن التَّبني (١) كان موجودًا، وهذا كان معروفًا في الجاهلية، وأن ذلك امتدَّ إلى أوَّل الإسلام، حتى نزلَ المنع من ذلك، وأسلوب القرآن إنما يأتي دائمًا للأخذ بمجامع القلوب، إنما يأتي ليُهيِّئ النفوس ويوطأها (٢) للأحكام كما رأينا ذلك في تحريم الخمر، وفي تحريم الربا، وفي بعض الأحكام؛ فالله ﷾ في سورة الأحزاب، يقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾ [الأحزاب: ٤، ٥] انظروا إلى هذا التدرج، وهذه التوطئة، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، لا يوجد في أيِّ إنسانٍ، وما ذُكر فيما مضى أن فلانًا له قلبان، هذا كله حقيقة مما ذُكر ولا أصل له.

فالرجل إنما يوجد فيه قلبٌ واحد، ولا يوجد لرجلٍ واحد قلبان في جوفه، ثم بعد ذلك أتبع الله ذلك بأمرٍ آخر، ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كوْن أحدكم يقول لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي (٣) هذا لا يجعل ذلك حكمًا مستقرًّا، فلا يجعلها كالأمِّ، كما قال الله ﷾: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، ثم جاء بعد ذلك ﷾ ليقرر الحكم؛ لأن الرسول ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة، وكان يُعرف في أول الأمر ويُدعى: زيد بن محمد، فقال بعد ذلك ﷾: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾