Skip to content

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد الموضع الرابع في التفويض

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Printed page ١٠/ ٥٧٥٤

ذُكِر في كثيرٍ من كتب السنة، والصحابة ﵃ قد وهبهم الله ﷾ ما لم يهب غيرهم، فعندهم من الإخلاص ما لا يوجد عند غيرهم، ولهم من المزايا ومن الفضائل ما يختصون به عن بقية الناس بعد رسل الله وأنبيائه؛ لأنهم قومٌ اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه ﷺ، فينبغي أن يُعرَف لهم فضلهم، وأن يُقدَّروا في كل أعمالهم، والله ﷺ قد رضي عنهم كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال ﷾: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ أي: الصحابة: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، فالله ﷾ قد زكاهم في مواضع في كتابه العزيز، وزكاهم رسول الله ﷺ، وشهد لهم بالفضل وبالعدل وبالإحسان، وقال: "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" (١).

والله ﷾ قد وفَّقهم ووهبهم من صفاء الأذهان، ومن قوة الإخلاص واليقين ما لم يكن عند غيرهم، تربوا في مدرسة الرسول ونهلوا من علمه ﷺ من الكتاب والسنة وأخذوا من مشكاة النبوة، واللغة العربية هي سليقتهم، وقد ربطوا قلوبهم بالله ﷾ بكل إخلاص، ففرغوا قلوبهم من كل ما يشغلهم عن طاعة الله - سبانه وتعالى -، فآثروا الباقية على الفانية، فلم تشغلهم الحياة الدنيا، ولم ينصرفوا إلى ملذاتها، وإنما وقفوا أنفسهم وأفنوا أعمارهم دفاعًا عن هذا الدين فرضي الله عنهم جميعًا.

"لَقضيتَ فيها"؛ يعني: إنك في قضائك هذا قد وُفِّقت وأصبت سُنة رسول الله ﷺ، وعبد الله بن مسعودٍ ﵁ عندما شهد له الصحابي يقول: فما فَرِح فرحًا أشد بعد فرحه بالإسلام، واستقرار الإيمان في قلبه بمثل هذا الفرح؛ أن يقضي بأمر يجتهد فيه فيأتي على وفق ما قضى به رسول الله ﷺ، هذه نعمةٌ من الله، ومن المكارم الجليلة التي ذكرها العلماء في خصائص عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان ينزل القرآن مؤيدًا