Skip to content

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد الفصل الثاني فيما يلزم من النذور وما لا يلزم

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Printed page ٨/ ٤٩٩٢

قوله: (وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ المَالِكِيَّةِ أَنَّ يَحْتَجُّوا لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ بِمَا رُوِيَ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ ألا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَجْلِسَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَجْلِسْ وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ"، قَالُوا: فَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كانَ طَاعَةً لِلَّهِ، ويتْرُكَ مَا كانَ مَعْصِيَةً (١).

وهذا الرجل المذكور في الحديث هو مَن يُعرَف بأبي إسرائيل، وقد حَرَّمَ الكلامَ على نفسه، وهو مما لا يُشرَع، وكذلك حَرَّمَ على نفسه أن يَستظِلَّ أو أن يَجلِسَ، بالرغم من أن الوقوف في الشمس فيه إضرارٌ بصحة الإنسان، وقد أتَت الشريعة المُطَهَّرة بالنهي عن الضرر في قوله ﷺ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (٢)، فلا يجوز إضرار الإنسان نفسَه ولا إضراره بغيره.

وإنما جاء الشرع بالأمر بالتعاون على البِرِّ والتقوى، فقال ﷾: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ولذلك أَنكَرَ عليه الرسول ﷺ وَوَجَّهَهُ إلى أن الشريعة لم تأتِ للتشديد على الناس، وأن الله ﷺ لا يكلف عباده فوق طاقتهم، وإنما كما قال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، فالعبادات مدارها على السماحة واليُسر ورَفْعِ الحَرَجِ.

فالطاعة التي أمَرَهُ الوسول ﷺ بإتمامها هي الصيام؛ لأن الصيام في الأصل إنما هو عبادةٌ، فأَمَرَهُم ﷺ بإرشاد الرجل إلى إتمام عبادة الصيام لأنها من القُرُبَاتِ والطاعات، بخلاف الامتناع عن الكلام الذي هو في الأصل لا حاجة له ولا فائدة منه، وكذلك ترك الجلوس الاستظلال اللَّذَيْن يعودان بالضرر لا النفع.