Skip to content

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد الفصل السادس: في جواز المهادنة

بغية المقتصد شرح بداية المجتهد

محمد بن حمود الوائلي

Printed page ٨/ ٤٥٨٨

ما وصلت إليه الآن مما لا يخفى على أحد!، فالعدو كان يطوق عاصمة المسلمين، مع اختلافهم فيما بينهم، مع أن الله ﷾ قد حذَّرهم من الخلاف بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وبقوله ﷿: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].

فالخلاف: هو السبب الرئيسي الذي يضعف الدولة الإسلامية.

وقد نهى الله ﷾ المؤمنين عن العودة إلى الحالة التي كانوا عليها قبل الإسلام من الفرقة والخلاف، وذكرهها بنعمته عليه فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].

فتلك: هي نقطة الضعف الخطيرة، فعندما يختلف المسلمون: تتفرق كلمتهم، وتتوزع صفوفهم، وحينئذ يطمع فيهم العدوُّ.

أما عندما يلتقي المسلمون على كتاب الله ﷿، ويلتفون حول سنة رسوله ﷺ، ويجتمعون على كلمة سواء: فإن أعدائهم - مهما كثروا - لا يستطيعون أن يصلوا إليهم؛ لاتحاد كلمتهم، واعتصامهم بحبل الله ﷾، وبكتابه العزيز، وبسنة رسوله ﷺ.

فالغاية: ليست تحصيل الكثرة؛ فقد قال الله ﷾: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦].

فمع أن المسلمين كانوا كثر، بالنسبة لأعدائهم، وكانوا في غاية من القوة؛ إلا أن ذلك لم يغن عنهم شيئًا، وأنزل الله بهم ما كان!.

فينبغي للمسلم دائمًا ألا تأخذه العزة بأنه أقوى من عدوه، وبأن عدده أكثر؛ بل عليه أن يطلب العزة من الله ﷾، والنصر منه، والقوة منه؛ فهو ﷾ الذي يهبها للمؤمنين.