بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
المهاجرين، الذين هجروا أوطانهم، وديارهم، وأموالهم في سبيل اللَّه ﷿ وتركوا ذلك كله ابتغاء مرضاة اللَّه ﷿، وامتثالًا لأمر رسوله ﷺ.
وهم كذلك أيضًا وقفوا أنفسهم في الجهاد في سبيل اللَّه ﷿، وفي الدفاع عن دين اللَّه، ولذلك قال اللَّه ﷿: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾؛ أي: إن هذه الصدقة المقصودة -وهي الزكاة- تعطَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾.
و ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: أنهم وضعوا أنفسهم في الجهاد في سبيل اللَّه.
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا يستطيعون السفر؛ لأن الضرب في الأرض إنما هو السفر، بمعنى: أن الجهاد شغلهم عن أن يشتغلوا بالتجارة، فلا يضربون في الأرض؛ بُغْيةَ الوصول إلى المال، والحصول عليه. ومما يدل على أن الضرب في الأرض هو السفر:
١ - قول اللَّه ﷿ في آية القصر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]. فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سافرتم.
٢ - وقول اللَّه ﷿ أيضًا: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠]. فالشاهد من آية سورة البقرة أن هؤلاء الفقراء الذين وضعوا أنفسهم في الجهاد في سبيل اللَّه تعالى قد انشغلوا بطاعة اللَّه ﷿ فلم تكن لديهم فرصة بأن يضربوا في الأرض، كغيرهم يبتغون الفضل من اللَّه ﷿ فيما يتعلق بأمور الدنيا، فهؤلاء يُعطَون من الزكاة.
﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾، يعني: من ينظر إليهم، وهو لا يعرف أحوالهم، فإنه يظنهم أغنياء؛ لما يظهر عليهم من الصفات، وذلك لما يلي:
١ - لأنهم يتعففون، ويترفعون عن المسألة.
٢ - ولو قُدِّر أنهم سألوا -عندما يضطرون إلى ذلك- فهم لا يُلحُّون في المسألة؛ ولذا قال اللَّه ﷿: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، لما