بغية المقتصد شرح بداية المجتهد
قوله: فجاء رجل، فقال: يا رسول اللَّه، أعطني من الصدقة. . . الحديث.
* قوله: ("إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ، وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ؛ أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ").
لا شك أنه لا ينبغي لغني أن يسأل من الزكاة؛ ففي الحديث: أن رجلين جاءا إلى رسول اللَّه ﷺ في حجَّةِ الوداع، وهو يُقسِّم الصدقة، فطلبا من رسول اللَّه ﷺ أن يُعطيَهما. فصوَّب ﷺ نظرَه فيهما، ثم وضعَه -يعني: خَفَضه- فرآهما جَلْدَين -يعني: قَوِيَّيْن- ثم قال: "إن شئتم أعطيتُكما، لكنه لا حظَّ فيها لغنيٍّ، ولا لقويٍّ مكتسِب" (١). فالغني: لا يجوز له أن يأخذ من الزكاة شيئًا. وقد يكون الإنسان ليس غنيًّا، ولا مال عنده، لكنه صاحب صنعة، كأن يشتغِل في مصنع، أو يكون نجارًا، أو حدَّادًا، أو قائد سيارة، المهم يعمل في عملٍ من الأعمال، أو في حرفةٍ من الحِرَف؛ فإنه في هذه الحالة يحصل على ما يُنفق به على نفسه، وعلى أولاده، ومَن تلزمه مؤونتهم ونفقتهم. فمثل هذا لا يُقال بأنه فقير؛ لأن الإنسان الذي يستطيع أن يعمل ويكسب فإنه يُعتبر غنيًّا حقيقة، فليس له أن يأخذ من الصدقة.
ولذلك لما رأى رسول اللَّه ﷺ القوة في الرجلين، كما جاء في الحديث: "رجلين جلدين"، يعني: قويين، فنظر فيهما، يعني: صوَّبهما بنظره، ينظر، ثم خفض بصره ﷺ.
وقوله ﷺ في الحديث: "إن شئتُما أعطيتُكما": فتكونان حينئذٍ مسؤولين أمام اللَّه ﷿ بأَخْذِكما صدقةً لا تجوز لكما.